الفصل الاول من كتاب راهـب الكفـاح الوطني

الفصــــل الأول – القاهــــــــــــرة 1930

وزارة إسماعيل صدقي باشا 1930 :

في سنة 1930 أقال الملك “فؤاد” وزارة “النحاس باشا”، وكلف “إسماعيل صدقي باشا” بتشكيل الوزارة الجديدة وكان أول عمل أقدم عليه “صدقي باشا” هو إلغاء “دستور 1923” الذي ارتضاه الشعب المصري، وأحل محله – دستوراً سُمى – بدستور 1930، وقد رفض الشعب هذا الدستور الجديد؛ فبدأت وزارة “صدقي باشا” سياسة القمع، والقهر ,والإرهاب لإخضاع الشعب لدستورها… وزيفت انتخابات البرلمان “مجلس النواب، ومجلس الشيوخ”، وأنشأت حزباً جديداً أسمته “حزب الشعب”… والشعب منه براء.

استمرت هذه الوزارة ثلاث سنوات أو ما يقرب من ذلك… تلك الوزارة التي رفضها الشعب من أول وهلة ورفض دستورها، وقاطع انتخاباتها… حتى اضطرت إلى تزييفها.

وكان “مصطفى النحاس باشا” رئيس الوفد، وزعيم الأغلبية الشعبية يقود معركة الشعب مع “صدقي باشا”. وقد انضم إليه – بعد ذلك – “محمد محمود باشا”… وكنا نرى ونسمع ونقرأ عن المظاهرات والاضطرابات، والإضرابات والقتلى والجرحى، وقد عمت هذه الإجراءات جميع بلاد مصر من الأسكندرية حتى أسوان… ولم يكتف “صدقي باشا” بذلك؛ بل ملأ السجون بأبناء الشعب من الوفديين الذين لم ترهبهم السجون، ولم يردعهم الإرهاب.

وفي أواخر عام 1934 استقال “صدقي باشا”، وخلفه في رئاسة الوزارة “عبد الفتاح يحيي باشا”، وكان امتداداً لحكمه إلا أنه لم يكن في جبروته وقسوته.

لقد كبتت حكومة “عبد الفتاح يحيي” الحريات، وحكمت البلاد حكماً فردياً مطلقاً، وخلقت مسخاً من برلمان “صدقي باشا”، بالانتخابات المزيفة.

كان حزب الوفد، صاحب الأغلبية الشعبية الساحقة وقتئذٍ، يقود الجماهير فما يكاد يفرغ من معركة حتى يبدأ الثانية. وكان ينادى بدستور 1923 وبعودة الحياة النيابية على أساسه وكان الشعب من وراءه يدعمه بالمظاهرات هاتفاً بسقوط الحكم الديكتاتوري، وكان البوليس دائماً يقف للجماهير بالمرصاد –أقصد البوليس الإنجليزي، والمصري.. لا يوجد فرق بينهما- وفي كل مرة كانت تسيل دماء الوطنيين، ويسقط من بينهم الشهداء وتملأ ببعضهم السجون.

نحن الآن في عام 1934؛ أي بعد نيف وثلاث سنوات من إقالة الملك “فؤاد” لوزارة “النحاس باشا” زعيم الأغلبية، وكنت آنذاك تلميذاً في السنة الرابعة بمدرسة بنها الثانوية ,وكنت وأقراني نسمع بين الحين والأخر عن الصراع المرير الذي خاضه الشعب بقيادة “النحاس” ضد الحكومة مغتصبة الدستور.. وكنا نشترك في بعض المظاهرات، ولكنه كان اشتراكاً ببغائيا ً.. نردد فيه الهتافات دون أن نعرف معناها ومغزاها.

أما وقد بدأنا نفهم ما حولنا.. ونرى الاستعمار في كل مكان.. في المدرسة حيث المدرس الإنجليزي هو كل شيء في الشارع حيث “الكونستبل” الإنجليزي يحكم ويتحكم في ثكنات قصر النيل، أجمل مكان في القاهرة. تلك الثكنات على النيل العظيم تجرح كبرياؤه، وتواجه وزارة الخارجية المصرية، فتصعق كرامتنا.

كان الشباب حائراً… الوفد يطالب بالاستقلال التام لمصر والسودان، كما يطالب بدستور 1923، وإعادة الحياة النيابية على أساسه… لتحكم البلاد حكومة وطنية نابعة من صميم الشعب تتولى مفاوضة الإنجليز؛ لتحقيق الهدف الأول.. “الاستقلال”.

وكان الحزب الوطني يطالب بجلاء الجنود البريطانيين عن مصر والسودان، وباقي الملحقات.. “هرر، وزيلع، وبربرة”، رافضاً المفاوضات كوسيلة لتحقيق هذه المطالب إذا كان شعاره.. “لا مفاوضة، إلا بعد الجلاء”. ويدعو إلى الكفاح… وحرب العصابات وعدم الاشتراك في الوزارات كوسيلة من وسائل مقاطعة الإنجليز، وعدم التعامل معهم، وهذا هو الفرق الجوهري بينه وبين الوفد، وكان “الأحرار الدستوريين” قد تحالفوا مع الوفد في مقاومة حكومة “صدقي”، ومن بعدها وزارة “عبد الفتاح يحيي باشا”.

    أما حزبي الشعب برئاسة “صدقي باشا”، والإتحاد برئاسة “حلمي عيسى” فقد كانا يمثلا في نظرنا “عصاة الاستعمار وعكازه”… وكنا لا نفرق بينهما وبين الاستعمار… بل كنا نعتبر محاربتهما بمثابة محاربة الاستعمار….

وازدادت حيرتي ورفاقي من الشباب. احترنا بين هؤلاء وهؤلاء..؛ فالوفد لا يرضي طموحنا.. والحزب الوطني يكاد يكون في نظرنا أكاديمية تنقد كل شيء ولا تفعل شيئاً.. إلا حفلتان كل سنة إحداهما إحياءً لذكرى زعيم الحزب الأول “مصطفى كامل”، والثانية إحياءً لذكرى زعيم الحزب الثاني “محمد فريد”، ثم مقالة أو مقالتين في الصحف ينشرها “حافظ رمضان” زعيم الحزب آنذاك، ومثلهما لـ”عبد الرحمن الرافعي” أحد أقطاب الحزب.. وهتافاً تحث فيه البرلمان بعد خطبة العرش.. من “عبد الحميد سعيد” بحياة ملك مصر والسودان، فقد جرت العادة آنذاك أن يهتف ثلاث مرات بحياة ملك مصر. وحتى يُعلن الحزب الوطني على لسان ممثليه تمسكه بالسودان، كان يقف “عبد الحميد سعيد” هاتفاً يعيش ملك مصر والسودان.

ولم تكن مبادئ حزب الوفد تُرضي طموحي أنا ورفاقي، بينما كانت مبادئ الحزب الوطني، وشعاراته تستهويني، ولكن هناته وعثراته وتوقفه عن الحزب باعد بيني وبينه الي حين.

وكنت وزملائى حين نجتمع سواء أثناء أوقات الدراسة أو أثناء المذاكرة أو فى أماكن اللهو، وكان لهونا كله رياضة عنيفة والعاب قوى، كنا نتساءل ماذا نفعل؟ وكان سؤلاً حائرًا كحيرتنا، ليس له جواب !!

مشروع القرش ومصنع الطرابيش :

وبينما نحن علي هذا الحال…الدم يغلي في عروقنا…الرغبة في التخلص من الاستعمار تسيطر على جميع مشاعرنا…الحيرة في معرفة الطريق تمزق أعصابنا..بينما نحن كذلك..وإذا بطالب في كلية الحقوق بالجامعة..ولم تكن في مصر كلها إلا جامعه واحدة…إذا بهذا الطالب واسمه:”أحمد حسين” قد خرج علينا بمشروع أسماه “مشروع القرش”.

يقوم هذا المشروع علي أن يتبرع كل مصري بقرش واحد لتجمع من هذه القروش… جنيهات، فمئات، فآلاف ومن حصيلة ما يجمع يقيم الشعب مصنعاً فثانياً فثالثاً وهكذا.. حسب احتياجات البلاد، وحتى نستغني عن البضائع الأجنبية ونضرب الاستعمار في أعز ما يحرص عليه.

أخذ أحمد حسين يدعو لمشروعه… ويجوب البلاد بغية تكوين لجان في الأقاليم تقوم بجمع هذه التبرعات.. وجاء إلى بنها حيث أقيم وعائلتي… وأقيم حفل ضخم في نادي بنها الرياضي لاستقبال “أحمد حسين” وسماع خطابه في شرح مشروعه.

حضرت هذا الاجتماع واستمعت كما استمع غيري إلى خطاب مليء بالحماس بأسلوب لم نعتد عليه من قبل، وإن أقل ما يوصف به هذا الأسلوب… أنه أرضى طموحنا وعبر عما في نفوسنا….

انتهي الحفل..وتكونت اللجنة في بنها… وتطوعت مع بعض أقرانى في لجان جمع التبرعات.. وأفرغنا طاقتنا في هذا المشروع الذي تصورناه خطوة.. نحو الاستقلال الاقتصادي وضرب المصالح الإنجليزية في بلادنا وعاملاً ليساعدنا علي مقاطعة منتجاتهم في أسواقنا.

وجمعت القروش من جميع أنحاء البلاد وبعد أن أقبل الشعب بكافة طبقاته وطاقاته على تلك التبرعات وتجمعت حصيلة المشروع لدي القائمين به “أحمد حسين” ورفاقه. تقرر أن يكون أول مصنع…مصنعاً للطرابيش..، وذلك لأن الطربوش في ذلك الوقت كان لباس رأس سكان المدن المصرية، وكنا نعتبره شعاراً للمصريين يميزهم عن باقي الشعوب في العالم وكانت مصر تستورد الطرابيش من “النمسا” وقد فُضل البدء بصناعة الطرابيش حتى يظهر شعارنا ويصبح مصرياً شكلاً وموضوعاً.

وانتهى العمل في جمع التبرعات لمشروع القرش وتوقفت حركتنا وحيوية الشباب لا تقبل هذا التوقف، وعدنا سيرتنا الأولى..عدنا إلى الحيرة، وعاد السؤال: وماذا بعد؟

لم تدم حيرتنا هذه المرة طويلاً…فقد تخرج”أحمد حسين” فى كلية الحقوق وأصدر مجلة أسماها “الصرخة” وكانت صرخة الصرخة مدوية، مقالاتها نارية تقذف الحمم على الاستعمار والمستعمرين وتبشر بمستقبل جديد عظيم. وتدعو إلى “مصر الفتاة”، والتي رفعت شعار “مصر فوق الجميع”، ونادت بزعامة مصر للدول العربية والإسلامية.

وكنا ننتظر الصرخة في موعدها من كل أسبوع ونتلقفها وما نكاد نستلمها من البائع حتى نلتهم سطورها إلتهامًا مفضلين قرأتها على كل شيء: على المذاكرة، الأكل، الشرب، اللهو وما أن ننتهي من قراءتها حتى نبدأ نقاشاً في موضوعاتها، كانت أحرف الصرخة وكلماتها ترتسم في قلوبنا وتحفظها ذاكرتنا.

لكن.. ماذا وراء هذه الصرخة؟ هل هي مجلة عادية؟ هل هي بشير ميلاد حركة جديدة؟ وذات ليلة سألت نفسي، ولماذا هذه الأسئلة…. بل ولماذا إعمال الفكر وإجهاده في الاستنتاج؟، ولماذا لا نذهب إلى القاهرة ونقابل هؤلاء الفتية وعندهم الخبر اليقين…

وسرعان ما قررنا بعد أن نفد صبرنا فجمعنا ما استطعنا جمعه من مصروفنا…قروش معدودة… وذهبنا ثلاثتنا “محمد حسنى شعتوت”، و”حمزة البسيوني”، وأنا وذهبنا ثلاثتنا إلى القاهرة وهناك اتجهنا إلى شارع الساحة سيراً على الأقدام حيث كان مقر “الصرخة” في حارة صغيرة ضيقة متفرعة من شارع الساحة إسمها “حارة الفوالة”، وقابلنا أقطابها وسمعنا منهم الكثير، وعرفنا أن ميلاد جماعة اسمها “مصر الفتاة” أصبح وشيكاً، وأن “أحمد حسين” هو زعيم هذه الجماعة يعاونه بعض زملاءه ممن كانوا معه في مشروع القرش، أو في الكلية وغيرهم.

لقد عرفنا “أحمد حسين” في مشروع القرش، وها هو ذا نقرأ له في الصرخة ونعجب به وبما يكتب، إنه يعبر عما في نفوسنا ويُرضي طموحنا ويفتح أمامنا الأمل في العمل، ولقد تحمسنا لما سمعنا وبلغ بنا الحماس غايته حتى أننا تبرعنا لهم بكل ما معنا من نقود وعدنا إلى بنها سيرا على الأقدام ونحن أسعد الناس.

خناقة مع المدرس الإنجليزي :

ذهبنا إلى بنها حيث نقيم واستمر الاتصال بين “أحمد حسين”، ورفاقه “فتحي رضوان”، و”محمد صبيح”، و”أحمد الشيمي”، وأخذنا نراسلهم ويراسلوننا وفي كل أسبوع يبعثون إلينا بأعداد من الصرخة نتولى توزيعها بين أقراننا وأقاربنا ونعيد إليهم ثمنها ونمضي الأسبوع بعد ذلك في انتظار العدد الجديد أججت الصرخة في نفوسنا كراهية الإنجليز وأثارت ثائرتنا ضدهم حتى أصبحنا لا نطيق رؤيتهم، كرهنا المدرس الإنجليزي، لا لأنه إنجليزي؛ ولكن لأنه يذكرنا بالاستعمار، وأخذنا نتفنن في الكيد له. تارةً بتحيته بتحية “مصر الفتاة”، وهى رفع اليد إلى أعلى، وتارة أخرى بإنشاد نشيد “اسلمي يا مصر” أثناء قيامه بشرح الدرس.

ولقـد شعر المدرس الإنجليزي بما نكنه له من كراهية وأحس بأنني وزميلي “محمد حسنى شعتوت” نمثل دوراً كريهاً بالنسبة، له ففي كل حصة صدام وفي كل كلمة عقاب ينتهي عادة إما بطردنا من تأمين الحصة أو بفصلنا من المدرسة مددًا تتراوح بين يوم وأسبوع.

وأخيراً انتهى العام الدراسي بكارثة بالنسبة لكلينا. لقد رسبنا في اللغة الإنجليزية رغم أن “محمد حسنى شعتوت” كان أول الفصل وسجل رقما قياسيا في مجموع الدرجات بفارق بينه وبين الثاني عشرات الدرجات.

كان رسوبي في الامتحان بهذه الطريقة إيذاناً بمرحلة جديدة، وكان لابد من ترك مدرسة بنها الثانوية الحكومية، والالتحاق بمدرسة حرة والتقدم “للبكالوريا”  (الثانوية العامة الآن) من تلك المدرسة، ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *