من كتاب اوروبا في مطلع العصور الحديثة

جزء من الفصل الثانى عشر

حركة زونجلى| سويسرا – المركز الدولى لسويسرا

كانت سويسرا فى مطلع القرن السادس عشر لا تزال من ناحية القانون الدولي العام، فى نطاق الإمبراطورية الرومانية المقدسة. ولكن كانت سيادة الإمبراطور عليها إسمية أكثر منها سيادة فعلية، إذ كانت المقاطعات الشمالية والمدن قد اتحدت فى أواخر القرن الثالث عشر لنبذ ادعاءات أسرة هابسبرج النمساوية عليها ثم لمهاجمة هذه الأسرة الإمبراطورية الحاكمة. وأحرز الاتحاد السويسري انتصاراً عسكرياً على القوات الإمبراطورية فى معركة مورجارتن Morgarten سنة 1315، وكان هذا الانتصار حافزاً لبقية المقاطعات السويسرية على الانضمام إلى الاتحاد الذى حقق انتصاراً عسكرياً آخر على النمساويين فى معركة سمباخ Sempaeh سنة 1386 واعترفوا باستقلال ثمان من هذه المقاطعات. وقد حاول الإمبراطور مكسميليان الأول (1493-1519) ممارسة نوع من السلطة على السويسريين ولكنهم وقفوا فى وجهه واشتعلت الحرب بين الطرفين واستمرت ستة أشهر وانتهت بصلح بال Bale سنة 1499 دون أن ينجح الإمبراطور فى تحقيق غرضه. ولم يحاول خلفه الإمبراطور شارل الخامس (1519-1552) بذل أية محاولة جدية لمباشرة أى مظهر من مظاهر السيادة الفعلية على السويسريين فظلوا بعيدين عن أى تدخل إمبراطوري ولو أنهم كانوا من ناحية القانون الدولى العام، كما قلنا، تحت سيادة الإمبراطور، وكانت سويسرا تعتبر دولة تابعة état vassal تربطها بالدولة الرومانيـة المقدسة – وهى الدولة المتبوعة état suzerain – رابطة التبعية. وكانت سويسرا فى ظـل هذا الوضع الدولى محرومة – من الناحية النظرية على الأقل – من ممارسة سيادتها فى الخارج مع احتفاظها بتصريف شئونها الداخلية. وظلت على هذا الوضع دولة ناقصة السيادة حتى منحت الاستقلال التام فى معاهدة وستفاليا Westphalie سنة 1648، وأصبحت دولة تامة السيادة تمتعت بممارسة كافة مظاهر سيادتها فى داخل إقليمها وفى المحيط الدولى دون أن تكون للإمبراطورية الرومانية المقدسة أو أية دولة أخرى هيمنة على شئونها.

لماذا لم تقم سويسرا بدور بارز فى السياسة الدولية :

من الحقائق الملفتة للأنظار فى تاريخ أوروبا أن سويسرا لم تقم كدولة بدور رئيس فى السياسة الدولية على الرغم من توفر المقومات لديها للظهور كإحدى الدول الكبرى المؤثرة فى اتجاهات السياسة الأوربية ومصائر الشعوب. فهى تتمتع بمركز جغرافى فريد وسط القارة الأوربية، ولها من جبالها ما يعصمها من خطر الغزو الخارجى، ولها فى وديانها موارد اقتصادية ضخمة من أراض زراعية ومراع وثروات معدنية. والشعب السويسرى على حظ موفور من النشاط والكفاية والذكاء والدأب على العمل، اشتغل أفراده بالزراعة والتجارة ثم بالصناعة وحققوا أرباحاً وفيرة. واشتهر السويسريون الذين انخرطوا فى سلك الجندية بصفات عسكرية عالية، وبرزوا بوجه خاص كجنود مشاة، وغدوا مضرب الأمثال فى الشجاعة والإقدام وتحمل المصاعب والتمسك بالنظام مما جعل منهم قوة عسكرية ضاربة رهيبة تنافست الدول المتحاربة فى أوروبا على استخدامهم فى جيوشها كجنود مرتزقة وأصبحوا أعظم المحاربين مقدرة وأشدهم بأسا على الإطلاق فى أوروبا حتى منتصف القرن السادس عشـر.

ولكن هذه الميزات التى ظفرت بها سويسرا – أرضاً وشعباً – لم تجعل منها دولة ذات أثر فى توجيه السياسة الدولية. والتفسير الذى يمكن أن يساق فى هذا الصدد هو أن الشعب السويسرى عاش فى وطنه موزعاً بين جهات أو مقاطعات لم يكن الاتصال بينها ميسراً فى تلك العصور، فإن طبيعة البلاد الجبلية، وإن كانت قد منحت الشعب السويسرى نوعاً من الحصانة ضد الأخطار الخارجية، إلا أنها كانت من ناحية أخرى عاملاً من عوامل التفكك، وأصبح الشعب السويسرى تعوزه الوحدة السياسية والعسكرية واللغوية فقد كان موزعاً بين ثلاث عشرة مقاطعة Cantons، كونت فيما بينها اتحاداً تعاهدياً كان تماسكه ضعيفاً أول الأمر كما سنرى بعد قليل. وزاد فى صعوبة الاندماج التام بين السويسريين الاختلاف الجنسى واللغوى والتاريخي بين المقاطعات السويسرية. ففى بعضها يتكلم السويسريون اللغة الفرنسية، وفى البعض الآخر يستخدمون الألمانية، وفى البعض الثالث يتخذون الإيطالية لغة لهم.

المقاطعات السويسرية :

يمكن تقسيم المقاطعات أو الولايات السويسرية([1]) إلى مجموعتين مختلفتين بعضهما عن بعض: مقاطعات ذات مدن كبرى اهتمت بالتجارة والصناعة، وكان عددها سبع مقاطعات ونطلق عليها فى هذا البحث المقاطعات الحضرية([2]). ثم مقاطعات ذات طابع ريفى cantons ayant le caractère rutal وعددها ست، ونطلق عليها المقاطعات الريفية([3]). وكانت هذه المقاطعات الأخيرة موئل الحرية للمواطنين السويسريين. وكانت الحكومة فى كل مقاطعة من هذه المقاطعات الريفية الست تحرص حرصاً بالغاً على احترام المساواة بين جميع الأفراد الأحرار، أما سكان المقاطعات الحضرية فلم يظفروا بمثل هذه المساواة التامة المطلقة التى نعم بها إخوانهم فى المقاطعات الريفية، وكانت السلطة تتركز فى يد مجموعة من الأفراد المختارين. ويقوم فيها نوع من حكومة الأقلية الأرستقراطية. وعلى الرغم من هذه المآخذ فإن المقاطعات الحضرية كانت تتمتع بقسط كبير من الحرية والمساواة لم تظفر به أية مدينة أخرى فى أوروبا. وكانت هناك أقاليم سويسرية أخرى لم تنضم إلى هذا الاتحاد السويسرى، ولكنها ارتبطت معه بمواثيق ومعاهدات دائمة([4]).

ضعف التنظيمات الحكومية فى الاتحاد السويسرى :

كان النظام الأساسي للاتحاد السويسرى أول الأمر ضعيفاً مليئاً بالثغرات ولم تكن قواعده فى القرن السادس عشر قد أرسيت بعد على قواعد سليمة، وسيتطور هذا النظام الاتحادي بمضى الأيام حتى تأخذ سويسرا شكل الدولة التعاهدية([5]) أو الجمهورية الفيدرالية. وهى تتكون فى الوقت الحاضر من 22 ولاية ولكن حسبنا أن نذكر أنه لم يكن فى ذلك القرن دستور تخضع له جميع المقاطعات السويسرية على السواء. ولم تكن هناك عاصمة واحدة لجميع المقاطعات. ولم يوجد بها نظام إدارى موحد. كان هناك مجلس يربط بين الولايات برباط شكلى ويطلق عليه اسم المجلس التعاهدى أو الدايت الفيدرالى La Diète Fédérale وكانت سلطته مقصورة على إصدار القرارات وكانت لكل ولاية الحرية فى أن تنفذ ما تشاء من القرارات التى تتمشى مع مصلحتها وتهمل تنفيذ ماعداها. ولم تكن هناك سلطة تشريعية لسن قوانين تخضع لها جميع المقاطعات. وليست هناك سياسة ثابتة رصينة يسير عليها الاتحاد السويسرى، فكل مقاطعة كانت حريصة على ألا تتدخل مقاطعة أخرى فى شئونها. وكانت العلاقات بين المقاطعات مشوبة بالريبة والتنافس، بل والمؤامرات تغذيها الدول الأجنبية. لقد كانت المرتبات العسكرية تقدم بسخاء للجنود السويسريين المرتزقة كى يخدموا فى جيوش الدول الأوربية. وكانت الوعود من كل نوع تبذل فى غير حدود. وطلبات التجنيد لا تنقطع. ونجم عن ذلك وجود ظاهرة فريدة فى المقاطعات السويسرية: ففى كل مقاطعة كان يوجد حزب يميل إلى البابا ويدعو المواطنين السويسريين إلى الانضمام إلى القوات البابوية والحرس البابوى، وحزب يمالئ ملك فرنسا. وحزب ثالث يناصر إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة وينشر دعاية نشيطة بين العسكريين السويسريين للانخراط فى سلك القوات الإمبراطورية. وهكذا شهدت مقاطعات الاتحاد السويسرى نوعاً من الصراع الخفى بين الدول للظفر بالعسكريين السويسريين.

إطلاق لقب “قاهر الملوك” على العسكريين السويسريين :

وعلى الرغم من أن الدول الأوروبية كانت تستخدم فى جيوشها جنوداً مرتزقة غير السويسريين مثل الألمان والإنجليز والاسكتلنديين وقلة من الإيطاليين إلا أن شهرة السويسريين الحربية كانت قد طبقت أنحاء أوروبا بحيث أصبحوا فى القمة من حيث شجاعتهم وصلابتهم فى القتال. وتسابقت الدول الأوروبية على استخدام السويسريين فى قواتها البرية. وكان من بين هذه الدول: الإمبراطورية الرومانية المقدسة وفرنسا وإسبانيا والبندقية والنمسا والولايات البابوية. وأطلق على الجنود السويسريين فى ذلك الوقت اسم قاهـرو الملوك” “Dompteurs des Rois” وأصبحت سويسرا أكبر وأهم مستودع آدمى للجنود المرتزقة فى أوروبا، وزاد فى أهمية الجنود السويسريين عاملان: أولهما توسع معظم الدول الأوروبية فى استخدام الجنود المرتزقة فى جيوشها. وقد فضلت الدول هذا الأسلوب فى بناء قواتها البرية لأنها كانت تخشى إذا ظفر رعاياها بحياة عسكرية رتيبة ومرتبات عالية ثابتة أن يطالبوا بامتيازات تغدق عليهم بحيث يصبحون طبقة عسكرية متميزة تهدد عروش الملوك أو على الأقل تطالب بإشراكها فى الحكم بينما كان الجنود المرتزقة لا يشكلون خطراً على سلطة الملوك الذين كان يسارعون إلى تسريح الجنود المرتزقة وإعادتهم إلى أوطانهم متى وضعت الحرب أوزارها. أما العامل الثانى فإن القرن السادس عشر كان حافلاً بالحروب. وفى خلال هذا القرن زادت أهمية سلاح المشاة بجانب سلاحى الفرسان والمدفعية وأصبح المشاة يشكلون عنصراً مهمًا فى القوة الضاربة تؤثر فى نتيجة المعارك – وقد برع السويسريون فى وضع خطتهم الحربية – فن التاكتيك الحربى – وفق نظام المربعات فيقسمون أنفسهم إلى مجموعات كل مجموعة على شكل مربع ويحدقون بالعدو من كل جانب ويشنون الهجوم عليه عنيفاً وينالون منه منالا عظيماً.

إسهامات السويسريين كجنود مرتزقة فى الحروب الأوروبية :

عقد لويس الحادى عشر ملك فرنسا فى سنة 1474 مع الاتحاد السويسرى أول اتفاق من اتفاقات التعبئة العسكرية La Première grande conveution de recrutement تقرر بمقتضاه أن يكون للحكومة الفرنسية دون غيرها الحق فى أن تستخدم فى قوتها البرية محاربين سويسريين بصفة جنود مرتزقة يجمعون من المقاطعات السويسرية فى مقابل مرتبات عالية يتقاضونها من الحكومة الفرنسية. وعقدت بعد ذلك تباعاً بين فرنسا ومقاطعات الاتحاد السويسرى اتفاقات على غرار اتفاق سنة 1474 استمرت سارية المفعول حتى أوقف العمل بها سنة 1509 على العهد الملك لويس الثانى عشر.

وفى خلال هذه السنوات أسدى الجنود السويسريون خدمات جليلة للجيش الفرنسى، وكان لهم أثر بارز فى الانتصارات التى حققتها فرنسا إبان الحروب الإيطالية. استخدمهم شارل الثامن ملك فرنسا فى الزحف على شمالى إيطاليا ثم اتجه بهم جنوباً مجتاحاً مملكة نابولى، وظهروا فى أروع صور البطولة والفدائية والنظام الدقيق، وظفروا بالإعجاب العميق والتقدير البالغ من المراقبين العسكريين فى ذلك الوقت([6]). وظل السويسريون على علاقة طيبة بفرنسا خلال السنوات الأولى من حكم الملك لويس الثانى عشر الذى استطاع أن يسيطر على دوقية ميلان، ثم بالاشتراك مع الإسبان أن يغزو مملكة نابولى، ثم أوقع هزيمة ساحقة بجمهورية البندقية فى موقعة أجناديل سنة 1509.

وتغير الموقف الدولى عقب هذا الانتصار الفرنسى، فقد صحت عزيمة البابا جيل الثانى على طرد الفرنسيين بوجه خاص من شبه جزيرة إيطاليا، ونجح البابا فى تكوين الحلف المقدس فى أكتوبر 1511 واستطاع أن يجذب السويسريين إلى جانبه واتفق معهم على أن يمدوه بستة آلاف مقاتل فى مقابل مرتبات عالية. وكان الجنود السويسريون – كما ذكرنا من قبل – عنصر ترجيح بسبب بأسهم الشديد ووجودهم على مقربة من مسرح العمليات الحربية فأصبحوا هم عماد الحلف المقدس ضد فرنسا. وقد تم هذا الانقلاب فى موقف السويسريين ضد فرنسا بفضل أحد رجال الدين فى سويسرا وهو شكنير Matthew Schinner أسقف سيون Sion واستطاع السويسريون أن يحسموا الموقف الحربى فى أوروبا لصالح حلف مالين La Ligue de Malines الذى كونه البابا ليو العاشر سنة 1513 من مكسميليان الأول إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة وفرديناند الكاثوليكى ملك إسبانيا وهنرى الثامن ملك إنجلترا ضد فرنسا([7]). وأوقع السويسريون الهزيمة بجيش فرنسى فى موقعة نوفار Novare فى يونيو 1513، واضطر الفرنسيون إلى الجلاء عن إيطاليا. وقد رفع هذا الانتصار العسكرى الذى ظفر به الجنود السويسريون من قدرهم. وقد منحهم البابا – كما مر بنا من قبل – لقب ” حماة الكنيسة”. وكانت هذه السنوات تمثل بحق القمة التى سمت إليها العسكرية السويسرية. وقد أخذ السويسريون على عاتقهم حماية دوقية ميلان بعد أن تقاسموا السيطرة عليها مع الإسبان وظفروا ببعض المكاسب الإقليمية فى شمال إيطاليا([8]). وأرادوا الوقوف إلى جانب دوق سافوى. والحق أن العسكريين السويسريين قد قاموا بدور بارز فى صنع معظم الأحداث التى شهدتها إيطاليا وفرنسا فى السنوات الأخيرة من حكم لويس الثانى عشر ملك فرنسا. فالفشل الذى أصاب هذا الملك فى مشروعاته التوسعية فى شبه الجزيرة الإيطالية وجلاء الفرنسيين عنها وإعادة أسرة سفورزا ممثلة فى الدوق مكسميليان وهو ابن لودوفيكو إلى دوقية ميلان، كل أولئك كان نتيجة انقلاب العسكريين السويسريين على لويس الثانى عشر ملك فرنسا وخوضهم المعارك الحربية ضد الجيش الفرنسى.

لقد كان بعض القادة السويسريين يطمعون فى الاستيلاء على شمالى إيطاليا، فإن سهل لمباردى كان يعتبر سوقًا رائجة لتصريف المنتجات السويسرية، واتجهت أنظار أولئك السويسريين إلى الاستيلاء بوجه خاص على مدينتين كانتا مركزين مهمين للتجارة، وهما دومودوسولا Domodossola، وبلينزونا Bellinzona بل إن بعض السويسريين كانوا يرون ضرورة ضم دوقية ميلان بتوابعها إلى الاتحاد السويسرى. ولم يكن مثل هذا المشروع بالأمر المستحيل أو العسير تنفيذه. ولو كان السويسريون ينعمون بالوحدة السياسية وبقيادة سياسية عسكرية موحدة لاستطاعوا أن يحققوا لهم توسعاً إقليمياً فى شمالى إيطاليا يكون نواة لدولة سويسرية قوية مترامية الأطراف، ولكنهم لم يوجهوا جهودهم العسكرية لخدمة أغراضهم القومية ووضعوا أنفسهم فى خدمة الدول الأجنبية وارتضوا لأنفسهم هذا الوضع غير الكريم.

ولما تولى الملك فرنسوا الأول عرش فرنسا عزم على توجيه حملة إلى إيطاليا. ولكنه وجد فى الجنود السويسريين – وكانوا يحتلون أراضي دوقية ميلان – عقبة كؤود فى سبيل زحفه على إيطاليا، أغلق السويسريون الممرات العادية التى تؤدى إلى ميلان([9])، وكان على الجيش الفرنسى أن يشق طريقه عبر جبال الألب من طرق أخرى([10]) وكان الجيش السويسرى تحت قيادة شكنير أسقف سيون، وعلم أن للفرنسيين حلفاء، هم جنود البندقية، وأراد أن يخوض المعركة ضد الفرنسيين قبل أن يخف إليهم حلفاؤهم البنادقة فأمر القوات السويسرية بالخروج من ميلان ومياغتة الفرنسيين، ووقع الاشتباك المسلح فى مارنيان (13 من سبتمبر 1515).

دارت معركة مارنيان عنيفة هادرة يومين كاملين. وكان اليوم الأول فى صالح السويسريين، حاربوا ببسالة منقطعة النظير وأنزلوا خسائر فادحة بالجيش الفرنسى، ولكن تطور الموقف فى اليوم الثانى إذ توسع الفرنسيون فى استخدام سلاح المدفعية. ووصل فى نفس الوقت جيش جمهورية البندقية فأحدق بالسويسريين كما أطبق عليهم سلاح الفرسان الفرنسى. وكانت نتيجة هذه العوامل الثلاثة أن حلت الهزيمة بالسويسريين.

إغراء الذهب فى عقد صلح فريبورج الدائم :

لقد أساءت موقعة مارنيان إلى سمعة السويسريين كمحاربين بواسل. وكانت ضربة أليمة لكبرياء الشعب السويسرى، جعلت حكومات المقاطعات السويسرية لا تتحمس للزج بنفسها فى غمار السياسة الأوروبية. وقد عرض الملك فرنسوا الأول الصلح على الاتحاد السويسرى. وانقسمت الآراء حول هذا العرض. فقد قبلته ثمان مقاطعات ورفضته خمس ترددت فى ولائها لإمبراطور الدولة الرومانية المقدسة وقبولها الصلح مع ملك فرنسا. وقد استخدم فرنسوا الأول ملك فرنسا الذهب وسيلة لإغراء المقاطعات على التحالف معه، فقد دعا سفير فرنسا مندوبى المقاطعات السويسرية إلى اجتماع عقده معهم، وتحدث معهم فى صدد الاتفاق المرتجى. وفى أثناء الاجتماع ألقى أمامهم وتحت أقدامهم بكميات وفيرة من العملات الذهبية، ثم أتى بجاروف وجمع فيه هذه العملات وصاح قائلاً إن هذا الذهب أفضل بكثير من وعود إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة للسويسريين، وانتهت الاتصالات بعقد صلح فريبورج الدائم Fribourg فى نوفمبر 1516 وقد أشرنا إليه من قبل([11]). وبمقتضاه تقرر أن تدفع فرنسا تعويضاً ضخماً لكل مقاطعة من المقاطعات السويسرية وتعهدت المقاطعات بالامتناع عن تقديم أية مساعدة عسكرية لأعداء ملك فرنسا – أيا كان لقبهم – فى فرنسا أو دوقية ميلان أو فى أى إقليم تابع لملك فرنسا([12]). وقد عقد اتفاق لاحق أخذ شكل محالفة فى مايو 1521 تقرر فيه تخويل ملك فرنسا الحق، فى حالة تعرض بلاده لهجوم خارجى، فى أن يجمع من سويسرا جنوداً فى حدود ستة عشر ألف جندى. وإذا تعرضت مقاطعات الاتحاد السويسرى لهجوم عليها فإن ملك فرنسا يقدم المساعدات العسكرية لرد العدوان عنها. وقد علق أحد المؤرخين السويسريين([13]) على هذا التحالف بقوله إن هذا التحالف قد هوى بسويسرا إلى مركز العبد المحارب الذى تستأجره فرنسا فى حروبها.

والحق أن إقبال الشبان المدربين عسكرياً على التعاقد مع الدول الأجنبية للخدمة فى جيوشها مدفوعين بالمرتبات العالية كان ظاهرة خطيرة عانتها سويسرا كثيراً. كانت الأراضي الزراعية تعانى نقصاً مروعاً فى الأيدي العاملة وتعرض النشاط التجارى للكساد. وكان الشبان يغادرون بيوتهم سعياً وراء العمل جنوداً مرتزقة فى خدمة الدول الأجنبية سواء وافقت السلطات الحاكمة فى المقاطعات أو لم توافق. وعاشت عائلات هؤلاء المجندين فى أثناء غيابهم حياة بها الفقر والشقاء. وكان يحدث غالباً أن يعود الجنود السويسريون إلى قراهم – بعد إنهاء العمليات الحربية – مصابين بأمراض تناسلية خبيثة تمزق أجسادهم وكان الطب بنوعيه: الوقائي والعلاجى لا يزال فى القرن السادس عشر يحبو فى خطواته الأولى.

تلفت المفكرون فى سويسرا لإصلاح هذه الحالة، فالفساد كان يدب فى أوصال المجتمع. وكان الحكام بعيدين عن مشاعر الشعب وآلامه وآماله، بل إنهم نجحوا فى أن يجمعوا شملهم – حفاظاً على مراكزهم ونفوذهم – فعقدوا ما يعرف فى تاريخ سويسرا باسم اتفاق ستانز([14]) Le Convenant de Stanz تعاهدوا فيه على ضرب أية حركة يقوم بها الشعب السويسرى للمطالبة بأى إصلاح سياسى أو اجتماعى.

أما الكنيسة الكاثوليكية فقد كان الشعب أو غالبيته قد فقد الأمل فى أى إصلاح يجئ إليها من ناحيتها بعد أن فشلت هى فى تطهير نفسها من المفاسد التى كانت حديث الخاص والعام. ولم تكن بعيدة عنهم أحداث وتطورات الحركة الدينية الثورية التى قام بها مارتن لوثر فى ألمانيا. ولئن كان البابا جيل الثانى قد منح العسكريين السويسريين لقب حماة الكنيسة، فإنهم كانوا – بسبب خدمتهم فى الحرس البابوى وبسبب إسهاماتهم فى الحروب التى خاضتها البابوية ضد خصومها هجوماً أو دفاعاً – أكثر الناس إدراكاً بالتدهور الذى انزلق اليه رجال الذين فى روما كباراً وصغاراً، وأصبحت الأرض السويسرية مهيأة لظهور حركة إصلاح دينى متى وجد القائد الذى يقود الجموع الحائرة وينير أمامها الطريق وصولاً إلى الله بعيداً عن انحرافات رجال الكنيسة وتعاليمهم. وكان هذا القائد الدينى هو أولريخ زونجلى.

أولريخ زونجلى  Ulrich Zwingli (1484-1531) :

تدين حركة الإصلاح التى ظهرت فى سويسرا لرجل سويسرى يسمى أولريخ زونجلى، اتخذ من مدينة زيوريخ فى سويسرا مركزاً لدعوته. وقد ولد سنة 1484 فى أسرة ميسورة الحال. وبذلك تختلف نشأته عن نشأة مارتن لوثر الذى واجه فى صباه الفقر والبؤس والشقاء من يمين وشمال. كان والد زونجلى عمدة المقاطعة. وعمل أحد أعمامه رئيساً لأحد الأديرة واشتغل عم له آخر قسيساً فى إحدى المدن، وأتيح لزونجلى أن يتلقى تعليمه فى مدارس وجامعات برن Berne وفينا وبال Bâle، وامتلأت نفسه تقديراً لأعلام الفكر القديم من الإغريق والرومان الذين حفلت الدراسات القديمة بروائع إنتاجهم الفكرى. وتأثر بالمعاصرين له من رجال الدراسات الإنسانية وبخاصة إرزمس Erasmus، وكانت تربطه به علاقة شخصية وثيقة. وبرع زونجلى فى الكتابة باللغة اللاتينية بأسلوب واضح سليم، ونبغ فى الخطابة وكان يشد إليه انتباه سامعيه بقوة منطقه ووضوح آرائه وسهولة عباراته. وتحت تأثير عميه انخرط فى سلك رجال الإكليروس وعين قسيساً فى أبرشية جلاريس([15]) Glaris سنة 1504. وقد وقع عليه الاختيار ليكون واعظاً للجنود السويسريين الذين يحاربون فى صفوف القوات البابوية. فرحل إلى إيطاليا سنة 1512 وكانت هذه الزيارات ذات أثر بالغ فى حياته وفى مستقبل سويسرا، لقد أتيح له أن يشهد عن كثب معركة مارينيان Marignan فى 13 من سبتمبر 1515 ([16]) وشهد مواطنيه فى اليوم الثانى للمعركة وهم يتساقطون صرعى فى ساحات الوغى فامتلأ قلبه كراهية لنظام الجنود المرتزقة. ومنذ ذلك اليوم لم يكف زونجلى عن التنديد جهراً بهذا النظام. وبعد هذه المعركة عين واعظاً فى آينزايدلن Einsiedeln وهى مدينة فى مقاطعة شفيتس Schwyz تشهر بأنها ملتقى جموع الحجاج يتوقفون فيها بعض الوقت وهم فى طريقهم
إلى روما وفى عودتهم منها. ومضى زونجلى فى هذه المدينة يواصل دراساته اللغوية عن الكتب المقدسة ولمع اسمه كخطيب مفوه. وترامت شهرته فى الخطابة إلى مدينة زيوريخ Zurich فاستدعى إليها وأسند إليه فى ديسمبر سنة 1518 منصب واعظ الكنيسة الكبرى فى مقاطعة زيوريخ، وبرز اسمه منذ ذلك التاريخ بروزاً واضحاً قوياً فى الأوساط الدينية والسياسية والاجتماعية فى المقاطعة وتبوأ مكانًا عليا.

المتناقضات فى مقاطعة زيوريخ :

كانت مدينة زيوريخ فى مقدمة المدن السويسرية ثراء وازدهاراً؛ نافست مدينة بال فى نشاطها التجارى وفى علاقاتها الاقتصادية مع ألمانيا. وكان معظم السفراء والأمراء الأجانب والسياح الأثرياء يفدون إلى مدينة زيوريخ ويقضون أوقاتا ممتعة على ضفاف بحيرة زيوريخ وينفقون بسخاء على ملذاتهم ولهوهم، وكان سكان زيوريخ يكسبون الأموال بسهولة وينفقونها بسرعة، ولكن كانت هذه المدينة تجمع بين المتناقضات: مهوى أفئدة السياح، الثراء الواسع العريض، مجون السكان، فساد الحكام وكبار رجال الدين، وفى نفس الوقت كان مجلس المقاطعة يظهر فى شتى الأزمات والمواقف تأييداً مطلقاً للبابوية فى روما. وكانت البابوية من ناحيتها تبدى رعاية خاصة لمدينة زيوريخ، وكان من دلائل هذه الرعاية أن البابا جيل الثانى Jules II (1503-1513) قدم لها علم المدينة La bannière de la ville وقد لمس زونجلى – بسبب إقامته فى زيوريح وعمله واعظاً لكنيستها الكبرى – تلك المتناقضات واستبدت به رغبة متقدة فى القضاء على تلك المساوئ.

خصائص حركة زونجلى :

وسرعان ما قاد حركة إصلاح دينى انتهت إلى نتيجة مهمة لا تزال قائمة إلى اليوم وهى انشقاق مقاطعات بأسرها من مقاطعات الاتحاد السويسرى على كنيسة روما وانقسام سويسرا إلى فريقين: فريق بروتستانتي من أنصار زونجلى. وفريق كاثوليكي. ويهمنا هنا أن نشير إلى حقيقتين: أولاهما أن الحركة البروتستانتية فى سويسرا لا تدين فى نشأتها لمارتن لوثر، بل كانت فى لحمتها وسداها حركة سويسرية تزعمها زونجلى، وقامت مقاطعة زيوريخ بدور بارز فى قيادة هذه الحركة سنوات طوالا. ولا ريب أن حركة الإصلاح الدينى فى سويسرا والتى شهدت زيوريخ مولدها قد تأثرت بالأحداث الكبرى التى وقعت فى ألمانيا، ولكنها احتفظت لنفسها بطابع خاص. أما الحقيقة الثانية فإن الحركة الإصلاحية التى قادها زونجلى كان لها إلى جانب صبغتها الدينية اهتمام عميق بالمشكلات السياسية وعناية كبيرة بالنواحى الاجتماعية والانتصاف للطبقات الكادحة من الحكام المترفين الذين عاشوا بمعزل عن الشعب. وعلى ذلك فإن حركة زونجلى لم تكن مجرد رد فعل لمساؤى الكنيسة، بل كانت فى مجموعها حركة دينية سياسية اجتماعية قومية. وقد وصف أحد المؤرخين السويسريين هذه الظاهرة فقال: لقد تشابكت أسباب حركة الإصلاح الديني مع بواعث الثورة السياسية بحيث أصبح من الصعب التمييز بين هذه وتلك ([17]).

زونجلى يندد بنظام الجنود المرتزقة :

وقد وجه نشاطه أول الامر لمحاربة الظاهرة التى كانت قد تفشت بين الشباب السويسرى واستهوت أفئدتهم وهى انصرافهم إلى العمل جنوداً مرتزقة فى صفوف جيوش الدول الأوربية نظراً للمرتبات العالية التى كانوا يظفرون بها والمعاشات الكبيرة التى كانت تقدمها لهم حكومات هذه الدول الأجنبية، وأخذ يطرق على الأذهان طرقاً مستمراً بمطرقة الإقناع على الصعيد الشعبى الجماهيرى، وأعلن أنه من العار أن تهدر دماء السويسريين فى غير مصلحة قومية، وأن هذا النظام يشيع الفساد والانحلال فى المجتمع السويسرى. ومن أقواله المأثورة فى هذا الصدد – وقد أراد أن يثير بها حمية الجيل الصاعد فى سويسرا “وإذا كان هناك جندى مرتزق أجنبى اجتاح بلادك، ودمر حقولك ومروج أشجار العنب التى تملكها، وخطف الأغنام وأثاث منزلك، وإذا قتل أولادك واعتدى اعتداء منكراً على فتياتك ووطأ زوجتك وهى تتضرع اليه، ويداها مضمومتان ملتصقتان أن يعفو عنك، ثم إذا جاء بعد ذلك وأنت الرجل الطاعن فى السن ينتزع منك منزلك ثم طعنك أمام زوجتك دون أن يحسب حساباً لشيخوختك المرتجفة ولا لدموع السيدات من ذويك، ثم إذا أعمل النار أخيرا فى منزلك وفى أجران القمح، ألا تبتهل إلى الله أن تفتح السماء أبوابها لكى تمطر الصواعق فتصيب بها هؤلاء الجنود المرتزقة…. “، وأخذ يفند الآراء التى كان يرددها البعض دفاعاً عن بقاء نظام الجنود المرتزقة بقولهم إن سويسرا بلاد فقيرة لا تزرع البرتقال ولا تنتج النبيذ المعتق ولا الحرير، فقال زونجلى إنها تنتج اللبن وتربى الخيل وترعى الماشية وتزرع القمح وتصنع الصوف من أغنامها:

“Si un merceuaire ètranger envahissait too pays, dévastait tes champs et tes vignes, enlevait les troupeaux et tes meubles, s’il tuait tes fils, déshonorait tes filles, foulait aux pieds ta femme qui, mains jointes, lui demande grâce pour toi, s’il venait ensuite t’arracher toi vieillad, de ts proper maison, et te transpercer sous les yeux de ton épouse, sans egard pour ta vieillesse tremblante ni pour les lamentations des femmes de ton ontourage, et si enfin il incendiait ta masion et ta grange, ne dirais – tu pas, si le ciel ne s’ouvrait pas pour faire tomber sa foudre sur ces mercenaries, ne dirais – tu pas qu’il’n’y a pas de Dieu? Et quand tu faia cela aux autres, tu dis; C’est la loi de la guerre. Tu résponds que le Suisse est pauvre, Parce qu’ on n’y récolte pas les oranges, le maivoisie ([18]) et soie. Mais elle produit le lait, les chevaux, le bétail, le vin, et le blé et la laine de nos moutons en abondance, et nos lils sont beaux et forts, le service étranger ne favorise que l’ambition et le luxe, il ne produit que de mauvais fruits: la révolte contre l’autorité, les moeurs déprivee, l’appiuvrissement des masses”.

ويبرز فى هذا السياق صفاء الكلمة وروعة التعبير وأصالة النفوذ إلى النفس البشرية والتصوير الرائع. والحق أن هذا الكلمات كانت تنم عن عاطفة وطنية متقدة متأججة تجيش بها نفس زونجلى وتجعل منه زعيماً سياسياً بجانب كونه مصلحاً دينياً. وقد لقيت هذه الآراء وأمثالها التى كان يرددها زونجلى فى غير ملل استجابة من سكان زيوريخ، وعاهدوا أنفسهم على ألا يكونوا أتباعاً مأجورين لملك فرنسا أو لإمبراطور الدولة الرومانية المقدسة أو للبابا نفسه، بل وطدوا أنفسهم على أن يكونوا مواطنين صالحين لا يكرسون حياتهم إلا لخدمة زيوريخ والاتحاد السويسرى([19]).

وجاءت أحداث السياسة الأوربية مؤيدة لآراء زونجلى. فإن الصراع الدامى الذى خاضه شارل الخامس إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة ضد فرنسوا الأول ملك فرنسا حمل الإمبراطور على عرقلة الجهود التى كانت تبذلها فرنسا لدى المقاطعات السويسرية للحصول على جنود سويسربين يعملون فى صفوف الجيش الفرنسى. وشعر مجلس الاتحاد السويسرى – الدايت الفيدرالى- بأن الموقف شائك. ورأى منعاً للحرج أن يرجع إلى المقاطعات يستطلع رأيها فى نظام الجنود المرتزقة. وكانت لدعوة زونجلى بنبذ هذا النظام أثرها الواضح فى الموقف، فأعلنت جميع المقاطعات السويسرية – ما عدا أربع مقاطعات – امتناعها عن تقديم جنود مرتزقة كما أعلنت تمسكها بنظام الحيدة بين المعسكرين المتحاربين. وقد قرر مجلس الاتحاد السويسرى إلغاء كل المحالفات الأجنبية لمدة خمس وعشرين سنة. ولكنه مالبث أن سحب هذا القرار فى سنة 1522، وبقيت مقاطعة زيوريخ بمفردها ترفض فى إصرار العودة إلى نظام الجنود المرتزقة.

كادت تتكرر مأساة صكوك الغفران :

وفى نفس الوقت تقريباً الذى هاجم فيه زونجلى نظام الجنود المرتزقة – سنة 1519 – نزل فى مدينة زيوريخ راهب إيطالي يسمى سامسون Samson يعرض على سكان المدينة شراء صكوك الغفران ([20]), فتعرض له زونجلى. وكان من المحتمل أن يحدث صدام سافر بينهما يؤدى إلى نتائج خطيرة على غرار ما حدث منذ سنتين خلتا حين هبط مدينة وتنبرج سنة 1517 الراهب حنا تتزل لبيع صكوك الغفران فتعرض له مارتن لوثر. وقد تصادف أن كان الدايت السويسرى يعقد جلساته فى زيوريخ فى الوقت الذى حضر فيه سامسون. وقد أثار حضوره أعضاء الدايت، وأكد زونجلى لهم أنه لم يعثر إطلاقاً على نص فى الكتب المقدسة يجيز بيع صكوك الغفران. ووضع الدايت رسالة بهذا المعنى وبعث بها إلى أسقف كونستانس Constance، فسارع الأخير بإصدار الأمر إلى الراهب سامسون بالعودة فوراً إلى إيطاليا وإن كان بعض المؤرخين المحدثين يقررون أن البابا نفسه هو الذى أصدر هذا الأمر بإرجاع الراهب إلى روما. ومهما يكن من أمر الجهة التى تصرفت هذا التصرف السليم فقد مر الحادث بسلام ولم يسفر عن قطع العلاقات بين روما وبين الاتحاد السويسرى , وقد تغلبت روح الاعتدال والحكمة فى هذا الموقف الشائك ولعل البابوية كانت حريصة على رأب صدع خشيت أن يستفحل كما حدث فى حركة مارتن لوثر.

مضى زونجلى فى حركته الدينية بعد أن نذر نفسه لها. طالب بالتعويل على الإنجيل دون التقيد بتعاليم الكنيسة ودافع عن مبدأ زواج القس وتزوج هو سنة 1524، وهاجم دفع العشور، وندد بنظام الصيام، وانتقد استخدام اللغة اللاتينية فى صلوات الكنيسة. وقد أنشأ حركة دينية بروتستانتية فى سويسرا منذ سنة 1522 دون ضجة أو افتعال ثورة.

اجتماع 29 من يناير 1523 :

حدث أن هاجم أحد القسس عبادة القديسين فأمر أسقف المقاطعة بإحالته إلى إحدى المحاكم الكنسية لمحاكمته على آرائه. وانضم زونجلى إلى جانب القسيس ضد الأسقف، وتدخل الدايت الاتحادى فى الموضوع ووجه رئيس بلدية زيوريخ الدعوة إلى اجتماع عام عقد فى 29 من يناير 1523 شهده جميع رجال الدين وكافة الموظفين العلمانيين. ووقف زونجلى من ناحية والدكتور فابر Dr Faber رئيس الأسقفية من ناحية أخرى يعرض كل منهما وجهات نظره المتعارضة، وكان التوفيق حليف زونجلى فى هذه المناقشة، إذ نجح فى عرض آرائه فى الحركة الدينية التى دعا إليها عرضاً مبسطاً. وصاغ هذه الآراء فى سبع وستين مادة تميزت بوضوح عباراتها. وهى لذلك تختلف عن الخمس وتسعين مادة التى افتتح بها مارتن لوثر مناقشته الدينية فى ألمانيا. وقد أعلن معظم الحاضرين تأييدهم لآراء زونجلى. وقرر مجلس بلدية زيوريخ أن يمضى زونجلى فى حركته. ولذلك يعتبر البعض أن اجتماع 29 من يناير 1523 هو بدء حركة الإصلاح الدينى فى سويسرا.

وشهدت نفس السنة مناقشة أخرى عقدت فى 26 من أكتوبر 1523 وعرض فيها موضوعان: القداس. والتماثيل والصور التى توضع فى الكنائس. وامتنع عن حضور المناقشة أسقف كونستانس Constance. وأخذ راهب يسمى شمت Schmid موقف المعارضة من زونجلى. ويرى أحد المؤرخين الإنجليز أن مثل هذه الاجتماعات العامة والمناقشات العلمية التى تدور فيها إنما هى ظاهرة صحية تنم عن روح ديمقراطية يتميز بها الشعب السويسرى وقد انتصر زونجلى على خصمه انتصار ساحقاً، إذ أخذ الراهب بآراء زونجلى من حيث المبدأ، وتحفظ فقط فى الوسائل، فصرخ هذا الراهب بأنه يفضل التريث فى إلغاء الصور والتماثيل حتى يعتنق الجمهور الفكرة القائلة بأن هذه الصور والتماثيل لا تجلب نفعاً ولا تدفع شراً.

زونجلى يندفع فى طريق العنف :

وتحت تأثير هذه المناقشة اندفعت الجماهير تحطم الصور والتماثيل، وبدا أن زمام الموقف قد أفلت من يد السلطات فى زيوريخ. ورأت هذه السلطات، سواء مسايرة منها لرغبات الرأى العام أو اقتناعاً بآراء زونجلى، أن يمضى مجلس المدينة فى تنفيذ الآراء الجديدة التى نادى بها زونجلى. وكان الأخير يتمتع بنفوذ كبير فى دوائر هذا المجلس وأنشأ فى حكومة المقاطعة “مجلس الستة الخاص” Privy Six أو المجلس السرى وجعل اختصاصاته سياسية ودينية معاً. وما لبث أن نبذ زونجلى سياسة الاعتدال واندفع فى طريق العنف، فأزال من جميع الكنائس المقامة فى أنحاء زيوريخ الصور والتماثيل. وحطمت فى هذه العملية كنوز فنية رائعة. وبرر هذا التصرف بأن أنصاف الحلول لا تحل المشكلات، وأن الإبقاء على العادات القديمة فى الكنائس إنما هو إضعاف للحركة الدينية الجديدة وإغراء للمترددين والمتشككين على الإحجام عن تقبل الآراء الجديدة.

اندساس عناصر فوضوية فى حركة زونجلى :

ولكن هذا التطرف من جانب زونجلى شجع عناصر أخرى على الظهور على مسرح الحوادث. اشتد ساعد المطالبين بإعادة التعميد فى زيوريخ، وكان على رأس الداعين إليها إسكافى بالمدينة اسمه هوتنجر Hottinger، ثم مالبث أن توافد إلى زيوريخ من ألمانيا بعض زعماء المطالبين بإعادة التعميد وقاموا بحركة اتسمت بالعنف والتحدى والمجون معاً. أعلنوا إلغاء تعميد الأطفال من حيث المبدأ وأنه لابد من إعادة تعميد الأشخاص البالغين. وسرعان ما انقلبت حركتهم إلى إباحية متطرفة ومجون إذ نزل الشبان من الجنسين، وهم عراة الأجسام، فى النهر يغطسون فى مياهه بحجة التعميد وخرجوا يمرحون على شاطئيه وهم على هذه الحال من العرى ورفضوا أن يزاولوا أى عمل اعتماداً على أن الله الذى خلقهم يتولى تدبير معيشتهم ورفضوا الاعتراف بالقوانين الوضعية بحجة أنها لم يرد لها ذكر فى الإنجيل. وتطورت حركتهم إلى حركة شيوعية فوضوية. وأعلنت سلطات زيوريخ أن أى شخص يقوم بإعادة تعميد آخر يكون جزاؤه الإغراق بدون رحمة أو شفقة، وأغرقت السلطات فعلاً بعض الأفراد. ولكن استمر زملاؤهم يباشرون دعايتهم وكانوا خطراً على حركة زونجلى لأنهم رفضوا النظام الدينى الذى أنشأه فى زيوريخ وأقاموا نظاماً دينياً خاصاً بهم وبأتباعهم فى مقاطعة زيوريخ، ورفضوا الاعتراف بسلطة راعى الأبرشية ورموا زونجلى بأقبح الصفات، وقالوا إنه دجال وأعلنوا أن تخريب زيوريخ أمر سهل المنال.

انتشار حركة زونجلى فى سويسرا :

من مقاطعة زيوريخ – مهد حركة أولريخ زونجلى – انتقلت الآراء الجديدة إلى عدد من مقاطعات الاتحاد السويسرى وإلى الأقاليم السويسرية التى لم تكن قد انضمت بعد إلى الاتحاد. وكان انتقال تلك الآراء الدينية الجديدة بطيئاً متثاقلاً أول الأمر. ولكن كان الزمن حليفاً قوياً لها، فكانت تكسب كل يوم أرضاً جديدة وأنصاراً جدداً. ومن الأمور الجديرة بالملاحظة أن مجلس الاتحاد السويسرى – وهو الدايت الفيدالى- لم يكن يشعر فى معظم الأوقات بعطف كبير على حركة زونجلى ولكن كان من حسن حظ هذا المصلح الدينى أن الدايت السويسرى كان على شاكلة الدايت الألماني؛ يملك إصدار القرارات، ولكنه لا يملك سلطة تنفيذها على جميع المقاطعات السويسرية. ولذلك بقى الدايت السويسرى بعيداً عن التأثير بفاعلية جدية فى عرقلة انتشار الحركة.

انضمت إلى الحركة الدينية الجديدة مقاطعة برن Berne سنة 1528 وتبعتها فى السنة التالية مقاطعة بال Bale فكان انضمامهما كسباً كبيراً لزونجلى وتدعيماً لحركته، وتتابع انضمام مقاطعات أخرى، ولم تمض سنوات ذات عدد حتى كانت ست مقاطعات وبعض المدن القليلة فى جنوبى ألمانيا قد انضوت تحت لواء الحركة الزونجلية وانفصلت عن روما. وبقيت سبع مقاطعات على ولائها للكنيسة الكاثوليكية فى روما، وأطلق على المقاطعات الست الأولى اسم المقاطعات المُصلَحة leacantons relormes أى التى أخذت بحركة الإصلاح الديني بينما أطلق على المقاطعات السبع اسم المقاطعات الكاثوليكية Les cantons catholiques.

ويلاحظ أن تعداد السكان فى المقاطعات الست كان يفوق تعداد سكان المقاطعات السبع، ولذلك يقرر بعض المؤرخين الفرنسيين – تأسيساً على هذه الكثافة السكانية – أن أكثر من نصف سكان سويسرا قد انضموا سنة 1528 إلى حركة زونجلى بغض النظر عن النسبة العادية بين المقاطعات المصلحة والمقاطعات الكاثوليكية.

ولنا ملاحظات على هاتين المجموعتين من المقاطعات؛ فالمقاطعات المصلحة تقع فى سهول سويسرا، وكان معظم سكانها يسكنون المدن وفى مستوى اقتصادى وثقافى مرتفع. اشتغلوا بالتجارة والصناعة. ولمسوا عن كثب مساوئ الحكام ورجال الدين على السواء، واستطاعوا متابعة المناقشات الدينية وتقبل الآراء الجديدة التى نادى بها زونجلى. أما المقاطعات الكاثوليكية فكان سكانها يشتغلون فى أعمال الزراعة وفى مراعى جبال الألب وقطع الأخشاب من غاباتها، وكانت دخولهم منخفضة نسبياً، وكان حظهم من الثقافة والعلم ضئيلاً، وعاشوا بعيدين عن الحياة الصاخبة فى مجتمعات المدن. ولذلك تطلق عليهم بعض المراجع الفرنسية عادة المقاطعات البدائية les cantons primitife، وكانت نتيجة هذه العوامل مجتمعة من التخلف الاقتصادى والفكرى والاجتماعى أنه لم يكن فى استطاعتهم هضم المبادئ التى جاءت بها حركة الإصلاح الدينى. وكان هؤلاء السكان ينظرون إلى رجال الدين المقيمين بين ظهرانيهم نظرة ملؤها التقدير والإجلال، إذ لم يتلوث رجال الأكليروس فى هذه المقاطعات الريفية بالمساوئ التى انغمس فيها الحكام ورجال الدين فى مقاطعات المدن. ولذلك لم يجد السكان مبرراً كى يستبدلوا بمذهبهم القديم مذهباً بحجة إصلاح مفاسد الكنيسة.

سياسة التكتلات الدينية العسكرية :

كان من نتائج الأوضاع السياسية السائدة فى سويسرا عدم وجود حكومة مركزية ذات سلطات جدية تفرض قراراتها على كافة المقاطعات أن قامت محالفات دينية عسكرية سواء للدعاية والترويج للحركة الزونجلية أو للدفاع عن المذهب الكاثوليكي. وكان زونجلى يؤمن بالنظرية القائلة إن من واجب الدولة أن تستخدم سلطتها لفرض حركة الإصلاح الدينى. وأنه لا مناص من تنسيق الخطوط الرئيسة للسياسة العامة فى المقاطعات المصلحة les cantons rétormés وذلك بعقد تحالف دينى عسكرى يجعل منها جبهة متحدة تقف فى وجه المقاطعات الكاثوليكية. وتمشياً مع هذا الرأى تكون: الحلف المسيحي المدنى The Christian Civic League وكان قوامه أول الأمر مقاطعات زيوريخ وبرن وكونستانس Constance ([21]) ثم تتابع انضمام مقاطعات مصلحة أخرى إلى هذا الحلف. وكان رد الفعل فى الدوائر الكاثوليكية سريعاً، إذ كونت المقاطعات الكاثوليكية فى إبريل 1529 ما عرف باسم “الاتحاد المسيحى” The Christian Union وكان يتألف من مقاطعات شفيتس، وأورى، وانترفالدن، وزج، ولوسرن، وقد تحالفت هذه المقاطعات الخمس مع النمسا من أجل حماية الكاثوليكية، وقد وصفتها المحالفة بأنها “العقيدة القديمة والوحيدة الحقة” l’ancienne et seule véritable foi وكان هذا التحالف الذى تم بين خمس مقاطعات وبين النمسا يتعارض مع نظام الاتحاد السويسرى، ولكن أرادت المقاطعات الكاثوليكية تدعيم مركزها فى الكفاح المسلح المرتقب ضد الحركة الزونجلية، ورحبت النمسا بهذا التحالف الذى يتيح لها فرصة للتدخل فى سويسرا واستعادة أرض كان قد فقدها البيت النمساوى الحاكم. ولم يقف الأمر بالمقاطعات الكاثوليكية عند هذا الحد، بل عقدت تحالفين آخرين مع كل من دوق اللورين ودوق سافوى. وقد استهدفت من هذه المحالفات الثلاث تطويـق المقاطعات المصلحة.

تدهور العلاقات بين البروتستانت والكاثوليك :

أ – مسألة دير سان جول Saint Gall :

سبق أن ذكرنا فى معرض الكلام على المقاطعات السويسرية أن كانت هناك أقاليم سويسرية لم تكن قد انضمت بعد إلى الاتحاد السويسرى، ولكنها ارتبطت معه بمواثيق ومعاهدات. والأصل فى هذه الأقاليم أن بعض مقاطعات الاتحاد قد اشتركت معاً فى عمليات حربية أسفرت عن غزو هذه الأقاليم، واتفقت تلك المقاطعات على أن يتناوب كل منها حكم هذه الأقاليم فترة زمنية محددة كانت فى العادة سنتين، ويطلق على هذه الأقاليم اسم Les Bailliages Communs ([22]) وتنافست المقاطعات – كل منها فى الفترة التى تتولى فيها حكم تلك المناطق – على نشر الكاثوليكية أو البروتستانتية تبعاً للمذهب الدينى الذى تعتنقه المقاطعة. وكان هناك إقليم تقع فى نطاقه أرض زراعية شائعة كانت ملكاً لدير سان جول Saint Gall وهو يعتبر من أشهر المؤسسات الديرية فى سويسرا. وكانت أربع مقاطعات تحكم بالتناوب هذا الإقليم الذى يقع فيه الدير وممتلكاته([23]). وكلما حل دور كل مقاطعة عينت حاكماً عاماً لمدة سنتين. فلما جاء دور زيوريخ أرسلت حاكماً عاماً مسرفاً فى تعصبه للمذهب البروتستانتي، وعمل على طمس كافة الطقوس الدينية الخاصة بالمذهب الكاثوليكي فى الإقليم. وكان يشغل منصب رئيس الدير أحد كبار الرهبان الكاثوليك. وتصادف أن تسلم مهام هذا المنصب قبيل وصول الحاكم العام البروتستانتي الجديد فرفض أن يقر تعيينه. ثم مضى الحاكم العام يدخل إصلاحات جذرية فى الإقليم تتمشى مع المبادئ التى دعا إليها زونجلى. فعمل على تحرير رقيق الأرض وقضى على كل المعالم الإقطاعية. وكانت هذه الإجراءات نوعاً من التحدى للمقاطعات الكاثوليكية التى تشترك فى حكم هذا الإقليم، ثم عقدت مقاطعة زيوريخ اتفاقاً مع مقاطعة جلاريس Glaris استهدف المحافظة على التنظيمات الجديدة التى أدخلت فى ذلك الإقليم. وكان هذا الاتفاق تصعيداً للأزمة بين البروتستانت والكاثوليك. وأصبح الموقف ينذر بانفجار رهيب.

ب- إحراق أحد أتباع زونجلى :

وقد وقع حادث كان بمثابة الشرارة التى أدت إلى تفجير الموقف. فقد قبض على أحد أتباع زونجلى وسيق إلى مدينة شفتيس([24]) Schwyz عاصمة المقاطعة التى تحمل نفس الاسم وأعدم حرقاً بالنار فى مايو 1529 فكانت النيران التى أتت على جسمه هى التى أشعلت الحرب الأهلية فى أرجاء سويسرا.

الموقف العسكرى لمقاطعات الاتحاد السويسرى :

إذا وازنا بين المعسكرين المتحاربين وجدنا أن المقاطعات البروتستانتية كانت تتميز بثرائها الواسع وكثرة عدد سكانها. وكان هؤلاء السكان على درجة من الكفاية فى النواحى العسكرية لا تقل عن كفاية خصومهم، ولكن لم تكن جميع هذه المقاطعات مقتنعة بالحرب كوسيلة لنشر المذهب الجديد، بل على العكس كانت ترى أن نشوب الحرب الأهلية بين المقاطعات السويسرية قد يكون نذيراً بتفكك الاتحاد السويسرى وانهيار نظامه. وكانت مقاطعة برن تدين بهذا الرأى وصارحت به زونجلى. فكتب إلى سكانها يقول “لا تخشوا الحرب”، لأن هذا السلم الذى نعيش فيه ليس سلماً، والحرب التى نريدها ليست الحرب، وإذا لم تستأصل الداء من مصدره وهو حكومة الأقلية فى المقاطعات البدائية([25]) فلن يكون الإنجيل ولا أتباع الإنجيل فى مأمن.([26]) ومع ذلك فقد رفضت مقاطعة برن أن تشترك فى العمليات الحربية، ولكنها وعدت بالتدخل إذا تعرضت زيوريخ لأى تهديد. أما المقاطعات الكاثوليكية فقد جمعت جيشاً وصل عدده إلى ثمانية آلاف جندى، ولم تكن قيادته العسكرية بأفضل من قيادة المقاطعات البروتستانتية، ولكن كانت المقاطعات الكاثوليكية تتميز بالتماسك والتكتل.

الحرب الأهلية الأولى فى سويسرا :

وتحرك الجيش البروتستانتي ومعه زونجلى وقد وضع رمحه على كتفه واجتاح المنطقة التى تفصل بين مقاطعتى زيوريخ وبرن حتى يسيطر الجيش على منافذ الأنهار. ومضى الجيش البروتستانتي يواصل عملياته الحربية ولكن ظهرت أمامه مفاجأة جديدة بعد موقف مقاطعة برن، فقد رأت مقاطعة جلاريس – وهى من المقاطعات المنضمة إلى زونجلى – وقف العمليات الحربية تمهيداً لعقد صلح ينهى النزاع القائم. وقد راعت رئيس حكومة جلاريس، ويسمى آيبلى Aebli، رؤية الجنود السويسريين الذين طالما حاربوا جنباً إلى جنب إخوة متحابين فى صفوف الجيش الفرنسى أو قوات البابا أو الإمبراطور بصفتهم جنوداً مرتزقة ينقلبون بين عشية وضحاها إلى خصوم يسفك بعضهم دماء بعض فى حرب أهلية لا تبقى ولا تذر. والحق أن كثيرين من القادة والجنود فى الجيش البروتستانتي والكاثوليكي كانوا زملاء السلاح وتربطهم صلات من الصداقة الوثيقة. وقد تجلب هذه الصلات أروع ما تكون زمالة السلاح فى أكثر من موقف حين وقف الجيشان وجهاً لوجه على وشك الاشتباك المسلح. وقد دفعت هذه المشاعر النبيلة رئيس حكومة جلاريس إلى بذل جهود طيبة لإنهاء النزاع سلمياً. وقد رفض زونجلى أول الأمر الوساطة، وحمل حملة عنيفة على آيبلى ولكن لم يتطرق اليأس إلى الوسيط فمضى يبذل مساعيه الحميدة لدى زونجلى، وأبان له أن المصالح السياسية لمقاطعة زيوريخ يمكن أن تخدم عن طريق السلم أكثر من أن تخدم عن طريق الحرب وإخضاع المقاطعات الكاثوليكية إخضاعاً حربياً، وأما من الناحية الدينية فإن الجنوح للسلم خير عند الله من الحرب الأهلية.

الصلح الأول فى كابل Cappel 1529 عرض وتحليل :

نجحت وساطة آيبلى وعقد صلح كابل Cappel فى الخامس والعشرين من يونيو 1529 – ونطلق عليه فى هذا البحث الصلح الأول فى كابل وقد تقرر بمقتضاه أن يكون لكل مقاطعة مطلق الحرية فى اختيار مذهبها الدينى، وجعل هذا النص مقصوراً على الثلاث عشرة مقاطعة التى تكون الاتحاد السويسري – أما الأقاليم السويسرية التي لم تضم إلي الاتحاد وقامت بعض المقاطعات بغزوها وحكمها بالتناوب والتي يطلق عليها Bsilliages Comnins Les فقد تقررت بالنسبة لها عدة مبادئ مهمة تذكر منها هذين المبدأين:

1- لا يكره أحد علي تغيير مذهبه الديني.

2- يختار سكان كل منطقة أو إقليم مذهبهم الديني، ويعتبر المذهب الذي يقع عليه اختيار الأغلبية المذهب الرسمي للإقليم، وللأقلية في هذه الحال الخيرة بين أن تخضع لرأي الأغلبية وبين أن تهاجر إلي منطقة أخري تدين بالمذهب الذي ارتضته الأقلية.

وفي نفس الوقت تقرر إلغاء المحالفة التى عقدت بين المقاطعات الكاثوليكية وبين النمسا حفاظاً علي استقلال سويسرا وعدم إتاحة الفرصة لتدخل الدول الطامعة فيها.

كان هذا الصلح نصراً لاشك فيه للمقاطعات السويسرية المتنازعة فيما بينها. والمعني المستفاد منه أن المقاطعات الكاثوليكية في الاتحاد السويسري قد أجازت لشقيقاتها المقاطعات المصلحة الاحتفاظ بالمذهب الديني الجديد، وهذه الإجازة تعتبر اعترافاً به، الأمر الذي أنشأ لهذا المذهب مركزاً قانونياً وأضفي علي المقاطعات المصلحة حصانة تعصمها من التعرض للغزو العسكري من جانب المقاطعات الكاثوليكية ابتغاء إعادتها إلي رحاب كنيسة روما. أما المقاطعات الكاثوليكية فقد أتاح لها الصلح الفرصة لكي تعيش آمنة بعيدة عن خطر الغزو العسكري من جانب المقاطعات المصلحة ابتغاء ضمها إلي حركة زونجلي، كما أتاح لها الفرصة لتنظيم شئونها والنهوض باقتصادياتها وإصلاح حال الكنيسة الكاثوليكية. كما أزاح ذلك الصلح عن كاهل المقاطعات الكاثوليكية عبء التحالف مع النمسا، فإن إلغاء المحالفة قد أبعد عن سويسرا خطر التدخل الأجنبي
فى شئونها.

اعتبر زونجلى الصلح الأول المنعقد فى كابل نجاحاً جزئياً أو بعبارة أخرى من قبيل أنصاف الحلول. وكان يعتقد اعتقاداً راسخاً فى إمكانية تحويل جميع مقاطعات سويسرا إلى المذهب الجديد. ترك جانباً الحل العسكرى واتجه إلى الحل السياسى لتحقيق أمله المرتجى. وألقى بنفسه فى غمار السياسة الأوروبية ودخل فى علاقات سياسية مع الأمير فيليب حاكم هس ولقبه الرسمى لاندجريف Le Landgrave Philippe de Hesse ومع فرنسوا الأول ملك فرنسا.

إخفاق مشروع تحالف بين ألمانيا وسويسرا :

حدث أن أصيبت الحركة اللوثرية بنكسة على أثر صدور قرارات المجلس الإمبراطوري الذى عقد للمرة الثانية فى مدينة سبير فى شهر مارس 1529 على النحو الذى شرحناه من قبل([27]). وفى أعقاب هذا المجلس لاح فى آفاق السياسة الدولية مشروع خطير كان يقوم على عقد تحالف دينى وسياسى وعسكرى بين الولايات الألمانية التى اعتنقت الحركة اللوثرية والمقاطعات السويسرية التى أخذت بالحركة الزونجلية. كان الهدف من هذا التحالف هو تكتل البروتستانت في ألمانيا وسويسرا لتوجيه ضربة قاصمة للإمبراطور شارل الخامس إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة. كان العداء للكنيسة الكاثوليكية في روما قد قرب بين زونجلي وبين الأمراء حكام الولايات الألمانية التى أخذت بحركة مارتن لوثر، وكان على رأس هؤلاء الأمراء فيليب حاكم هس. جال في ذهنه هذا المشروع وأدرك المكاسب الضخمة التى تظفر بها الحركة المناهضة للكنيسة الكاثوليكية إذا تحقق المشروع. ولكنه رأي بثاقب فكره أن هذا التحالف السياسي والعسكري يجب أن يسبقه لقاء فكرى ديني بين مارتن لوثر وبين زونجلي. وساعد علي تدبير هذا اللقاء أن زونجلي نفسه كان من أول الساعين لعقده.

وفي هذا المعني يقول أحد المؤرخين الفرنسيين إنه لما استبانت الأخطار التي يتعرض لها البروتستانت في ألمانيا بعد المجلس الإمبراطوري الثاني المنعقد في مدينة سبير شعر زونجلي بضرورة توجيه ضربة قوية، فحاول الوصول إلي اتفاق مع لوثر علي المسائل التى كانت مثار خلاف بينهما([28]).

واتخذت التدابير لعقد اجتماع يحضره الزعيمان الدينيان مارتن لوثر وزونجلى فى مدينة ماربورج Marbourg حيث تم اللقاء بينهما فى الثانى من أكتوبر سنة 1529. وبذلت جهود مضنية للتوفيق بين الزعيمين الدينيين، وقد أمكن الاتفاق بينهما على كثير من النقاط الثانوية. ولكن تعذر التوفيق بينهما فى مسألة مهمة تتصل بالعقيدة المسيحية وهى العشاء الربانى L’Eucharistie. وليس هذا البحث مجال التعرض لهذا الموضوع لأنه أكثر التصاقاً بالتاريخ الدينى منه بالتاريخ السياسى والدبلوماسى. ولم يكن لوثر ولا زونجلى من أقطاب السياسة، بل كانا من رجال الدين، وصعب على كل منهما أن يتزحزح عن موقفه وعن الآراء الدينية التى سبق أن أدلى بها وبخاصة لوثر. فقد تمسك بآرائه تمسكاً شديداً جعل بعض المؤرخين ينعتونه بالعناد. والواقع أن الأفكار فى القرن السادس عشر لم تكن مهيأة لقبول فكرة التسامح الدينى أو التقريب بين المذاهب الدينية الخارجة على كنيسة روما.

وبدلاً من أن يؤدى اجتماع ماربورج إلى اتحاد الكنيستين السويسرية والألمانية فقد أسفر عن نتيجتين مهمتين: أخذت كل كنيسة موقفاً مستقلاً عن الأخرى وأصبح على أتباع لوثر وأتباع زونجلى أن يواجهوا مشكلاتهم منفردين، وأخفق مشروع تحالف سياسى وعسكرى ضخم بين المقاطعات السويسرية التى اعتنقت الحركة الزونجلية وبين إمارات ألمانيا الشمالية ومدن جنوبى ألمانيا التى انحازت إلى الحركة اللوثرية، وكان من الممكن أن يؤدى هذا المشروع إلى نتائج مهمة فى تاريخ أوروبا الحديث.

زونجلى يحاول إنشاء علاقات سياسية مع فرنسا وغيرها :

عاد زونجلى إلى زيوريخ بعد مقابلة لوثر وقد تبددت الآمال التى كان قد عقدها على هذا اللقاء، ودخل فى مشروع سياسى آخر، إذ حاول إنشاء علاقات سياسية مع فرنسوا الأول ملك فرنسا تأسيساً على أن هذا الملك يناصر قضية البروتستانت خارج حدود بلاده نكاية فى خصمه اللدود شارل الخامس إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة. وكان زونجلى يرجو أن يجد من مـلك فرنسا تأييداً له حتى يكتسح المقاطعات السويسرية التى ظلت على ولائها لكنيسة روما، فكتب زونجلى رسالة إلى ملك فرنسا بهذا المعنى، كما حاول إنشاء علاقات سياسية مع الأمراء البروتستانت فى حلف شمالكلد، على الرغم مما عرف عن زونجلى من عدائه العنيف لسياسة الأحلاف الأجنبية.

تصرفات زونجلى داخل سويسرا :

وفى داخل سويسرا انتهج زونجلى سياسة اتسمت بالإغراق فى الخيال والأوهام. اعتقد أن سكان المقاطعات الكاثوليكية قد استهوتهم الآراء التى نادى بها، وأنهم سيهرعون إليه سراعاً متى تحرك لتخلصهم من نير الاستبداد. وحاول أن يفسر الصلح المنعقد فى كابل فى25 من يونيو 1529 تفسيراً تعسفياً لمصلحة الحركة الزونجلية , وأراد أن يدخل تعديلات على نظام الاتحاد السويسرى بحيث تكفل التعديلات الجديدة أغلبية عددية للبروتستانت على الكاثوليك. وأراد زونجلى أن يفرض حصاراً اقتصادياً على المقاطعات الكاثوليكية الخمس الواقعة فى شرقى سويسرا لتجويعها وحملها فى نهاية الأمر على اعتناق مذهبه الدينى. وتمشياً مع هذا الاتجاه قطع العلاقات التجارية مع المقاطعات الكاثوليكية، كما كان من نتائج بعض تصرفاته أن وقع الانقسام بين المقاطعات البروتستانتية ذاتها.

اندلاع الحرب الأهلية الثانية فى سويسرا :

عم السخط العميق المقاطعات الكاثوليكية على السياسة العدوانية التى انتهجها زونجلى وقر رأيهم على حسم الموقف ولو أدى الأمر إلى امتشاق الحسام. وبدأ الكاثوليك العمليات الحربية بقطع الطريق بين زيوريخ وبرن. وسرعان ما نشبت الحرب الأهلية. وكان جيش زيوريخ صغير العدد، ورابط جنوده فى مراكز أدركوا بعد فوات الأوان أنها مكشوفة ومعرضة لهجوم الأعداء، وشرعوا فى تغيير مواقعهم التى رابطوا فيها. ولكن لاحظ هذه الحركة أحد قادة الجيش الكاثوليكي. وكان قائداً ممتازاً حنكته تجارب الحروب الإيطالية فقرر القيام هجوم مبكر على مواقع البروتستانت قبل أن يأخذوا مواقعهم الجديدة، والتحم بالبروتستانت على مقربة من كابل Cappel فى الحادى عشر من أكتوبر سنة 1531، واستطاع الجيش الكاثوليكى – وكان قوامه ثمانية آلاف جندى – أن يوقع هزيمة منكرة بالبروتستانت. وكانت خسائرهم فادحة بالنسبة للكاثوليك، إذ بلغ عدد القتلى ستمائة بروتستانتي، بينما لم يـزد عدد قتلى الكاثوليك عن ثمانين.

مصرع زونجلى وتقطيع جثته ثم إحراقها :

لم تكن معركة كابل مقصورة على هزيمة الجيش البروتستانتي، بل أصيبت حركة الإصلاح فى سويسرا بخسارة فادحة حين لقى زونجلى مصرعه فى هذه المعركة. لقد جرح فى رأسه وأصيب بضربتين بحد السيف فى فخذه، وسقط على الأرض والدماء تنزف منه بغزارة، وأخذ يتمتم ببعض الأدعية تخرج من شفتيه المرتعشتين وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. وقد سارع الكاثوليك إلى أخذ جثته وأرادوا أن يتشفوا من هذا الزعيم الدينى بعد أن أصبح جثة همدت منها الحياة، فقطعوا جثمانه إلى أربعة أجزاء، ثم أعملوا فيها النار جميعاً وبعثروا رمادها فى الهواء حتى أصبح هباء منثورا. وقتل فى هذه المعركة أيضاً خمسة وعشرون من رجال الدين البروتستانت. وكان من نتائج المعركة أن فقدت مقاطعة زيوريخ بمصرع زونجلى زعامتها للحركة الإصلاحية فى سويسرا.

الصلح الثانى المنعقد فى كابل 1531 :

عرض وتحليل ونقد :

كانت نتيجة هذه الهزيمة أن أصبحت مقاطعة زيوريخ مهددة بالغزو من جيوش المقاطعات الكاثوليكية. ولكن تغلبت على الجميع روح الحكمة وعقد صلح كابل Cappel فى نوفمبر 1531 – ونطلق عليه فى هذا البحث اسم الصلح الثانى المنعقد فى كابـل تمييزاً له عن الصلح الأول الذى يحمل ذات الاسم وأبـرم سنة 1529 – وقد تقرر فى صلح سنة 1531 المبادئ الآتية:

أولاً: تعهدت المقاطعات البروتستانتية بترك المقاطعات الكاثوليكية تعيش فى
أمن وسلام معتنقة “عقيدتها المسيحية الحقة والتى ليست موضع شك”:
Leur vrai et indubitable foi chretienne.

ثانياً: تخول المقاطعات البروتستانتية الحق فى الاحتفاظ “بعقيدتها” a leur foi.

ثالثاً: فيما يختص بالأقاليم غير المنضمة إلى الاتحاد السويسرى فقد أبقيت بدون تغيير معظم النصوص الخاصة بها والتى وردت فى صلح كابل الأول، ولكن أدخلت التعديلات الآتية على نصوصها:

أ – تحويل المناطق القريبة من المقاطعات الكاثوليكية إلى المذهب الكاثوليكي.

ب- إعادة الأديرة إليها.

ج-  إذا رغبت منطقة من المناطق غير المنضمة إلى الاتحاد السويسرى أن تعود إلى الكاثوليكية فإن صلح كابل يجيز لها هذا الارتداد من المذهب البروتستانتي إلى المذهب الكاثوليكي.

رابعاً: إلزام المقاطعات البروتستانتية بدفع نفقات الحرب وتعويضاتها.

خامساً: إلغاء الحلف المسيحي المدنى.

سادساً: يسترد رئيس دير سان جول Saint Gall الأراضي التابعة للدير والتى سبق أن صودرت.

قام هذا الصلح على المبدأ القائل بحق كل إقليم أو مقاطعة أو ولاية فى اختيار مذهبها الدينى Cujus regio ejus religio، ولذلك يعتبر هذا الصلح الذى عقد فى سنة 1531 مثالاً احتذته الإمبراطورية الرومانية المقدسة بعد ربع قرن من الزمن حين عقدت صلح أوجزبرج سنة 1555 لتسوية المشكلة الدينية التى كانت تتفاقم يوماً بعد يوم بين الولايات البروتستانتية والولايات الكاثوليكية فى ألمانيا. وقد رأينا أنه كان من أهم المبادئ التى قررها صلح أوجزبرج حق كل إقليم فى اختيار مذهبه الدينى. ويلاحظ فيما يختص بصلح كابل أن هذا المبدأ قد طبق تطبيقاً عادلاً فى المقاطعات التى تكون الاتحاد السويسرى. أما المناطق التى لم تنضم إلى الاتحاد والتى تعرف باسم bailliages communs فإن بنود الصلح قد تجاهلت هذا المبدأ، وجاءت فى جانب الكاثوليك أكثر منها فى جانب البروتستانت، إذ تقرر فرض المذهب الكاثوليكي فى مناطق معينة، كما أجيز للمناطق التى اعتنقت المذهب البروتستانتي أن تعود إلى المذهب الكاثوليكي. يضاف إلى ذلك الالتزامات المالية التى فرضت على البروتستانت. وحل الرباط السياسى والعسكرى الذى كان يربط بين المقاطعات البروتستانتية وهو الحلف المسيحى المدنى، كل ذلك يدل على أن كفة الكاثوليك كانت راجحة فى هذا الصلح. والحق أن حركة الإصلاح فى سويسرا قد أصيبت بهزة عنيفة وتبددت آمال زونجلى فى نشر المذهب الدينى الجديد فى جميع أرجاء الاتحاد السويسرى وفى الإطاحة بحكم الأقلية الأرستقراطية من المقاطعات الخاضعة لهذا اللون من ألوان الحكم الاستبدادى، وفى إحلال الحكم الديمقراطي فى كل أنحاء البلاد. وأصبحت مواد هذا الصلح هى التى تحدد العلاقات بين المقاطعات الكاثوليكية والمقاطعات المصلحة ما يقرب من قرنين من الزمان. وكان انقسام سويسرا إلى هذين المعسكرين فى مقدمة العوامل التى أعاقت حكومة الاتحاد السويسرى عن النهوض بالبلاد إلى المكانة التى كانت جديرة بها فى المجتمع الدولى.

أما نتائج صلح كابل بالنسبة للكاثوليك فقد استغلت المقاطعات الكاثوليكية الهزيمة التى نزلت بالبروتستانت وعملت على الإفادة من الإعياء الذى أصابهم، وعكفت هذه المقاطعات على إصلاح شئون الكاثوليك: استعاد الأخيرون نفوذهم فى القسم الشرقى من سويسرا كما أن جميع الأقاليم السويسرية التى بقيت على ولائها للمذهب الكاثوليكي حتى صلح كابل 1531 ظلت كاثوليكية حتى الوقت الحاضر. وتستوى فى هذه الحقيقة المقاطعات الكاثوليكية الأعضاء فى الاتحاد السويسرى والمناطق التى كانت خارجة وقتذاك عن الاتحاد ولكنها ظلت على ولائها لكنيسة روما. وظفر كاثوليك سويسرا بعطف ومساعدة بعض كبار رجال الدين الكاثوليك فى خارج سويسرا. وكان على رأس هؤلاء شارل بوروميه Charles Borromée (1538-1584) رئيس أساقفة ميلان، وكان من أعلام حركة الإصلاح الدينى الكاثوليكي، وقد أسس لكاثوليك سويسرا كلية فى ميلان لا تزال موجودة إلى اليوم، وشجع على استيطان الجزويت فى لوسرن. وبتوجيه منه كونت المقاطعات الكاثوليكية فيما بينها حلف بوروميه La Ligue Borromée ويطلق عليه أيضاً الحلف الذهبى؛ لأن الأصل المخطوط لهذه الوثيقة قد كتب بمداد مذهب. وقد تقرر فى هذا الحلف أن تتعاون المقاطعات الكاثوليكية فى الدفاع عن المذهب الكاثوليكي، وأن تتعاون فيما بينها فى تقديم وتنسيق المساعدات العسكرية فى كل ظرف تتعرض فيه المقاطعات الكاثوليكية للأخطار، كما تقرر فى هذا الحلف أن سلطته تعلو على أحكام أية معاهدة تتعارض مع مبادئه وأهدافه.

مقارنة بين لوثر وزونجلى وحركتيهما :

ونختتم حركة الإصلاح الدينى التى تزعمها زونجلى بمقارنة سريعة بينه وبين مارتن لوثر وكذلك بين حركتيهما. احتج لوثر وزونجلى على صكوك الغفران من حيث المبدأ وممارسة بيعها للجماهير، وكلاهما قاوم المطالبين بإعادة التعميد، وكلاهما أسقط من حسابه الاعتماد على تأييد طبقة مهمة من طبقات الشعب. وقف مارتن لوثر فى وجه الفلاحين وشجع تدابير القمع الوحشى التى لجأ إليها الأمراء حكام المقاطعات الألمانية، وأغفل زونجلى أهمية سكان المقاطعات الجبلية الذين كانوا يعملون رعاة فى مراعى جبال الألب أو قطاعا للأخشاب فى الغابات الألبية. وكانت النتيجة أن كلا من لوثر وزونجلى قد فقد طاقة حيوية هائلة كان يمكن أن تكون دفعا قوياً لحركته. وكان لكل منهما تأثير شخصى قوى على مستقبل المذهب البروتستانتي: لوثر فى ألمانيا، وزونجلى فى سويسرا.

والزعيمان يختلفان بعضهما عن بعض من عدة نواح. كان زونجلى من رجال الدراسات الإنسانية وتعمق فى دراستها بحماس متقد. واتصل عن كثب بأحد أقطاب دعاة إصلاح الكاثوليكية وهو أرزمس وتأثر بآرائه إلى حد بعيد، فغدا أكثر استنارة من لوثر وأقل منه تأثراً بأفكار العصور الوسطى. وقام زونجلى بحركته فى مجتمع يتسم بالطابع الديمقراطي الشعبى وتركت هذه السمة بصماتها على الآراء التى كان ينادى بها، وكان من أثر هذه العوامل مجتمعة أن غدا زونجلى زعيماً ديمقراطياً جمهورياً إنسانياً. لقد طالب زونجلى بأن تكون الكنيسة مؤسسة ديمقراطية تضم جميع المسيحيين ويشكلون فيما بينهم هيئة تخول لها اختصاصات واسعة فى كل ما يمس القطاع الدينى فيكون لها حق تعيين رجال الدين فى الوظائف الكنسية. أما لوثر فكان يعتبر أن حاكم البلاد – أيا كان لقبه – هو مناط الاختصاص فى كافة الشئون الدينية، فهو الرئيس الأعلى للكنيسة وهو المهيمن على أمورها.

أما الحركتان فكانتا – بجانب طابعهما الدينى – وثيقتى الصلة بالناحية القومية فى ألمانيا وسويسرا. وكان الشعب الألماني يجد فى كلمات لوثر وشعاراته تعبيراً فردياً عن أحاسيسه الوطنية. ولقيت الآراء التى نادى بها زونجلى آذاناً صاغية فى معظم المقاطعات السويسرية حين هاجم النظام المعمول به فى سويسرا وهو تجنيد الشبان لاستخدامهم جنوداً مرتزقة فى جيوش الدول الأوروبية المتحاربة.

سويسرا فى المجتمع الدولى بعد حركة الإصلاح :

انقسمت سويسرا إلى قسمين: سويسرا المصلحة La Suisse Reformée وتشمل المقاطعات الست التى اعتنقت مذهب زونجلى، وتسمى أيضاً المقاطعات البروتستانتية، وسويسرا الكاثوليكية La Suisse Catholique وتنتظم المقاطعات السبع التى تمسكت بولائها لكنيسة روما. وكان لهذا الانقسام الدينى الذى تعرضت له سويسرا منذ الثلث الأول للقرن السادس عشر أثر بارز فى الوضع الدولى لهذه البلاد. لم تكن لها سياسة موحدة، ولم تنجح فى أن تجعل من نفسها دولة مؤثرة فى سياسة أوروبا. إنها كانت – كما يقول المؤرخ الفرنسى لاردى M.C. Lardy -جسما قوياً من الناحية المادية ولكن اختفت منه الروح.

وظلت سويسرا المستودع الآدمي للجنود المرتزقة السويسريين يعملون فى صفوف جيوش الدول الأوربية وبخاصة فرنسا. وكانوا – كما ذكرنا من قبل – أبرع سلاح مشاة فى أوروبا. وكان لبطولاتهم العسكرية أثر بارز فى تطور الأحداث المهمة فى تاريخ فرنسا. وإذا كان لنظام الجنود المرتزقة مساوئه العديدة، فقد كانت له بعض المزايا بالنسبة لسويسرا. لقد ظلت هذه البلاد ما يقرب من قرنين من الزمان لا حول لها ولا قوة فى مجال العمل السياسى الخلاق فى السياسة الأوروبية وفى نفس الوقت لم تكن بها حكومة مركزية قوية تعنو لها جباه الجميع، بل لم تكن قد وجدت عاطفة الوطنية أو الولاء للوطن السويسرى ككل. كانت هناك عاطفة ولاء للمقاطعة التى ينتمى إليها السويسرى سواء كان عسكرياً يعمل جندياً مرتزقاً فى جيش إحدى الدول الأوروبية أو كان مدنيا يكدح فى سبيل لقمة العيش فوق ثرى الوطن، فالولاء كان محلياً ولم يمتد ليغطى الوطن السويسرى كله.

ومع ذلك فإن نظام الجنود المرتزقة فى سويسرا كان بمثابة الدرع الذى حفظ للبلاد استقلالها ورد عنه تفكير أية دولة مجاورة لها فى التهامها خشية أن تحول مقاطعات الاتحاد السويسرى – كلها أو معظمها – رعاياها من الجنود المرتوقة إلى قوة ضاربة ضد الدولة التى تفكر فى العدوان عليها.

دعم حيدة سويسرا :

يرى كثير من المؤرخين أن حيدة سويسرا كانت أهم نتيجة أسفرت عنها حركة الإصلاح فى هذه البلاد، فإن انقسام البلاد إلى مقاطعات بروتستانتية وأخرى كاثوليكية جعل الشعب السويسرى يتمسك بالحيدة أسلوباً ومنهاجًا فى السياسة الخارجية للاتحاد السويسرى، وقد تركت الدول الأوروبية سويسرا على هذا الوضع طالما كانت المقاطعات السويسرية تقدم تجارة آدمية ذات نفع غزير لهذه الدول. وقد تمثلت هذه التجارة الآدمية فى الجنود السويسريين المرتزقة. وفى خلال حرب الثلاثين سنة (1618-1648) وحرب الوراثة الإسبانية (1700-1713) أعلنت المقاطعات السويسرية أن المبدأ الذى تقوم عليه سياستها الخارجية هو حيدة سويسرا بصفتها دولة ذات نظام اتحاد تعاهدى. وقد أشرب السويسريون مبدأ الحيدة بحيث أصبح بمثابة العقيدة الراسخة فى نفوسهم. وتشابك فى أذهانهم مبدأ الحيدة مع مبدأ الاستقلال بحيث أصبح من العسير التفرقة بينهما.

وبمضى الزمن طور السويسريون نظام الحيدة حين قرروا أن يلتزموا بالحيدة قولا وعملا. فغيروا نظرتهم إلى نظام الجنود المرتزقة باعتباره نظاماً يتنافى مع مبادئ الحيدة، وفى ذات الوقت قام الشعب السويسرى بعمليات تغيير جذرى فى نظمه السياسية والعسكرية: استبدل بحكامه القدامى الذين كانوا يمثلون الطبقة الأرستقراطية العسكرية المتعالية على الشعب حكاماً جدداً من أفراد الطبقة الوسطى يشعرون بآلامه ويعملون على تحقيق آماله، وفى القطاع العسكرى أرسى الشعب السويسرى قواعد سياسة دفاعية تتمثل فى تخطيط نظم حربية سليمة وقوية تضمن له الأمن والطمأنينة والسلام، وفى خلال القرن التاسع عشر استقامت للشعب السويسرى وحدة سياسية حقيقية.

ومن ناحية أخرى أدركت أوروبا أن استقلال سويسرا وحيدتها يشكلان معاً ضماناً أكيد للسلم الأوروبي. وأدركت فرنسا وألمانيا وإيطاليا أن مصلحة كل منها تتطلب أن تظل حدودها المشتركة مع سويسرا آمنة من هجوم عسكرى يأتيها من جانب سويسرا. ورأت هذه الدول الثلاث أيضًا أن حيدة سويسرا توفر عليها جزءًا كبيرًا من ميزانيات التسليح، لأن الحرس السويسرى هو الذى يرابط عند الحدود المشتركة، وبذلك تستطيع الدول الثلاث أن تركز اهتمامها على جبهات أخرى.

إن موافقة دول أوروبا على احترام حيدة سويسرا لم يكن إجراء ابتدعته الدبلوماسية الأوروبية كما فعلت حين قررت حيدة بلجيكا ولكسمبرج. وفى مجال المقارنة بين حيدة سويسرا وحيدة بلجيكا يشبه بعض المؤرخين حيدة سويسرا بالوليد الذى خرج من بطن أمه بعد عملية ولادة عسيرة استطالت ثلاثة قرون. وكانت هذه الحيدة مستقرة فى أحشاء الشعب السويسرى، فى قطعة من لحمه ودمه وروحه ووجدانه، لا يستطيع منها فكاكا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *